السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
469
مفاتيح الأصول
بالتسمية مع قصد الوجوب بالسورة وتارة بالإخفات مع قصد الوجوب بها وتارة بالجهر بالتسمية مع قصد الاستحباب بها وتارة بالإخفات مع قصد الاستحباب بها إلى غير ذلك من الأحكام التي لا يسع الوقت تحصيل الاحتياط في جميعها إذ لا يتيسر إلا بمشقة عظيمة وحرج شديد فلعل العمل بالطريقة المشهورة وهي العمل بأخبار الآحاد ورعاية الظن الحاصل بها وبسائر الأدلة الشرعية والجمع بينها إذا احتيج إلى الجمع أظهر وأسلم واللَّه يعلم انتهى وقد أشار إلى ما ذكره جدي قدس سره فيما حكينا عنه سابقا وأمّا المقدمة الثالثة القائلة بأن الظن إذا كان له جهات متعددة متفاوتة بالقوة والضعف فالعدول عن القوي منها إلى الضعيف قبيح فلما تقرر عند العقلاء وأخذه العلماء من قبح ترجيح المرجوح على الراجح وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي النهاية في مقام ذكر أدلة حجية أدلة حجية الاستصحاب ولأنه لو لم يجب لزم ترجيح المرجوح على الرّاجح وهو بديهي البطلان وفي المختلف في مقام ذكر الأدلة على ترجيح القول بأن الرضاع يحصل بالعشر عمل أكثر الأصحاب عليه فيكون راجحا فتعين العمل به لامتناع العمل بالمرجوح وفي بحث قبول شهادة النساء في النّكاح لنا أن الظن قد حصل بشهادتهن مع انضمام الرجل إليهن فيجب العمل عليه لأصالة العمل بالراجح وقبح العمل بالمرجوح وترك الراجح لا يقال مطلق الظن غير كاف وإلا لثبت الحقوق بشهادة الواحد والفسّاق والصّبيان مع حصول الظنّ لأنا نقول لا يكتفي بمطلق الظن بل الظن المستند إلى سبب اعتباره في نظر الشرع وفي المنية في مقام الاحتجاج على حجيّة خبر الواحد لأنه لا يمكن العمل بالمرجوح خاصة مع إمكان العمل بالراجح لاستحالة ترجيح المرجوح على الراجح ولا العمل بهما معا لما بيّناه من المنافاة ولا تركهما كذلك فتعين العمل بالراجح وهو المطلوب وفي غاية البادي في المقام المذكور أما العقل فهو أن العمل بخبر الواحد موجب لدفع ضرر مظنون وكل ما كان كذلك فهو واجب بيان الصغرى أن العدل إذا أخبر بأمر حصل ظن بوجود الأمر وإذا ضمّ هذا الظن إلى ما علم أن المخالف للأمر يستحق العقاب حصل ظن العقاب وبيان الكبرى أن العقل يحكم بامتناع العمل بالمرجوح وبالراجح والمرجوح معا فبقي العمل بالراجح فقط وهو المطلوب وفي الإيضاح شرح القواعد لفخر المحققين قال أبو الصلاح يقوم الظن مقام العلم لأن الشرعيّات كلَّها ظنية ولأن العمل بالمرجوح مع قيام الراجح باطل إجماعا وفي مجمع الفائدة شرح القواعد للمقدس الأردبيلي قوله لا حكم للسهو مع غلبة الظن ولعل المراد بغلبة الظن الذي هو الطرف الغالب لا الظن الغالب كثيرا بحيث يحتاج إلى الرجحان حتى يثبت له هذا الحكم فإن الظاهر الحكم بمجرّد تحقق الرّجحان للعمل بالرّاجح وإلقاء المرجوح وهو بهذا المعنى مشهور ومتعارف وهو مقتضى العقل والنقل في الجملة لأنه مفيد لظن صحة ذلك الطَّرف ووقوعه والعمل به هو المتعارف في الشّرع وفي الأحكام قالوا قد ثبت أن مخالفة أمر الرّسول صلى الله عليه وآله سبب لاستحقاق العقاب فإذا أخبر الواحد بذلك عن الرسول صلى الله عليه وآله وغلب على الظن صدقه فإمّا أن يجب العمل بالاحتمال الراجح والمرجوح أو بتركهما معا أو العمل بالمرجوح دون الرّاجح أو بالعكس لا سبيل إلى الأول والثاني والثّالث لأنه محال فلم يبق سوى الرّابع وهو المطلوب ولقائل أن يقول ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله ولا يجب تركه بل هو جائز الترك بأن مخالفة أمر الرّسول موجبة لاستحقاق العذاب مسلم فيما أمر فيه الرسول صلى الله عليه وآله وأما مع عدم العلم به فهو محل النزاع وفي رسالة لجدي البهبهاني قدس سره مع أن العقل لا يرضى بترجيح المرجوح على الراجح عنده أن السيّد كل ما أمر وكلَّف كان راجحا البتة أنه أمر بكذا فكيف يرضى ترجيح خلاف ذلك وقال في مقام آخر إن بقاء التكليف بغير القطعيات يقيني وطريق القطع مسدود فالعمل على الظن ولا ترجيح لظن على ظن آخر على أن الظن إنما هو مع الراجح فإن المعارض المرجوح موهوم فكيف يكون حجة وقال في مقام آخر أيضا واستدل أيضا على حجيّة كل ظن بأن عدم العمل به ترجيح للمرجوح وهو قبيح عقلا فكذا شرعا وفيه منع إلا أن يكون المراد بعد بذل الجهد واستجماع شرائط الاجتهاد ولزوم عمله بأحدهما أي الراجح والمرجوح انتهى وقد يناقش فيما ذكر بأنه لم لا يجوز أن لا يكون العمل بالراجح والمرجوح كليهما جائزا ويكون تركهما معا صحيحا لعدم إفادتهما العلم سلمنا لزوم العمل بأحدهما لا محالة ولكن لم لا يجوز أن يكون العمل بالمرجوح متعينا مطلقا ولو عارضه الراجح أو على وجه السّببيّة أو لكونه ظنا مخصوصا اعتبره الشارع مطلقا تعبدا ومرجوحيّته غير مانعة من العمل به مطلقا وراجحيته معارضة غير موجبة للعمل به مطلقا عقلا لأن الرّاجحية والمرجوحيّة هنا إنما هما باعتبار نفس قوة الظن وضعفه وقد يتفق في الظن الضعيف المرجوح وجود مصلحة تامة ملزمة للعمل به مطلقا وفي الظنّ القويّ الراجح مفسدة عظيمة مانعة من العمل به مطلقا فينعكس الأمر فيصير الراجح مرجوحا والمرجوح راجحا فلم يبق للراجحية والمرجوحيّة باعتبار نفس قوة الظن وضعفه تأثير فيسقطان عن الاعتبار وإلا للزم العمل بكل ظن يكون أقوى في نفس الأحكام الشرعية وموضوعاتها الصّرفة مطلقا ولو كان مما نهى الشارع عن العمل به